الإثنين 2019/12/9  
نص خطبتي العيد التي اقامها سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي بمكتبه في النجف

أضيف بواسـطة
 
اقام سماحة المرجع الديني الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) صلاة عيد الاضحى المبارك بمكتبه في النجف الاشرف
 والقى سماحته (دام ظله) خطبتي صلاة العيد في جموع المؤمنين المصلين .
 الخطبة الاولى قوله تعالى: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)
اما في الخطبة الثانية قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً)
 الخارجون عن طاعة قادة الإسلام نموذجاً
وبعد انتهاءه من القاء الخطبتين استقبل سماحة التهاني من جموع المؤمنين والمريدين .
 
وفيما يلي النص الكامل للخطبتين :

الخطبة الاولى : 
بسم الله الرحمن الرحيم
[لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ] ([1]) (الأعراف:16)
          هذا واحد من التهديدات التي أطلقها إبليس في جداله مع ربّ العزة والجلال كردّ فعل على طرده من الجنة ومن صفوف الطائعين المرضيين عند الله تبارك وتعالى بسبب استكباره وتمرده عن السجود لآدم الذي كان يمثل النوع الإنساني المستخلف في الأرض، فعزم على الانتقام من الإنسان الذي كان موضوع الابتلاء والامتحان حيث تصرّح الآية أن السبب الذي برّر به غوايته لبني آدم وسوقهم إلى الضلال أن الأمر بالسجود لهم كان سبب طرده من رحمة الله تعالى [قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ] والباء سببية، فأطلق سلسلة من التهديدات والعمليات الانتقامية إلى يوم الوقت المعلوم، ومنها ما ذكرته الآية الشريفة، بأن يترصد لهم ويلاحقهم ويمكر بهم حتى يغويهم ويضلّهم كما غوى وضل بسوء اختياره ويسلب منهم نعمة الاستقامة على صراط الله تعالى وزيادة في المكر والتلبيس فإنه يقعد لهم على الصراط المستقيم حتى لا يتوقعوا منه الشر والسوء، وقد عبّر بلفظ (القعود) المتضمن ثني بعض أجزاء الجسم للدلالة على قصد الاعوجاج المنافي للاستقامة، لذا أخبرنا الله تعالى بهذه الحقيقة وهذا التهديد الخطير لنكون حذرين يقظين لمكائد هذا العدو المبين، وعلّمنا الله عز وجل أن ندعوا يومياً في صلاتنا ونطلب الهداية إلى الصراط المستقيم لنتذكر دائماً العدو الذي يريد خروجنا عنه، وأن نتوسل إلى الله تبارك وتعالى طالبين المعونة على مواجهته والانتصار عليه.
          وتدل الآية على أن الإنسان لو خُلّي وطبيعته التي فطر عليها فإنه خُلق ليسير  على الصراط المستقيم الموصل إلى الله تبارك وتعالى [صراطك] ولكن الشيطان يقعد للناس على هذا الطريق ويتربص بهم ليحرفهم عن هذا الصراط المستقيم ويقطع عليهم طريق الطاعة ويوجههم إلى الطرق المنحرفة الأخرى، وهذا المعنى ورد في الحديث الشريف (كل إنسان يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه)([2]).
          والصيغة المؤكدة المستعملة في التهديد تدل على الإصرار على الفعل والاستمرار فيه واستعمال الشيطان كل أدواته في التزيين والغواية والتضليل والتمويه والشبهات ونحو ذلك، والإطباق على الإنسان من جميع جهاته، وهو ما أشارت إليه الآية التالية: [ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] (الأعراف:17).
          والتعبير هنا بالجهات الحسية الأربعة كناية عن الاتجاهات المعنوية؛ لأن الصراط المستقيم الموصل إلى الله تعالى لا يمكن أن يكون حسّياً فكذا القعود عليه أمر معنوي فيمكن أن يكون معنى [من بين أيديهم] مستقبلهم وأيامهم القادمة والزمن الآتي فيخوّفهم من البخل والحاجة إذا أرادوا الإنفاق ومن الموت والقتل إذا نووا الجهاد، أو يعظّم لهم المشقة والعناء إذا همّوا بالحج والعمرة والزيارة ويزين لهم الحياة الدنيا ويمنيّهم بما تحبّ نفوسهم ونحو ذلك، قال تعالى: [إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ] (آل عمران:175) وقال تعالى [الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ] (البقرة:286) وقال تعالى [يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً] (النساء : 120).
          أو أن المراد بما بين أيديهم الآخرة فينسيهم ذكر الموت وأهواله وما بعده ويشككهم في الآخرة والنشور ونحو ذلك [إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً] (الإنسان : 27).
          ويكون معنى [من خلفهم] أي ما خلّفوه في زمانهم الماضي فينسيهم المعاصي ويسوّف الاستغفار والتوبة ويهوّن عليهم ما ارتكبوه من المظالم. أو يخوفه على ما يترك خلفه من أموال وأولاد وأهل وموقع اجتماعي ليقعده عن الإقدام على الطاعة، أو يجعل من الماضي وسيرة الآباء والتقاليد الموروثة صنماً يعبده ويتبعه فيصده عن الهداية والصلاح.
          ومعنى [عن أيمانهم] أي من جهة دينهم؛ لأن اليمين من اليُمن والخير والقوة والسعادة، فيدخل في دينهم ما ليس منه ويغلّفه بالقداسة ويجعله هو الدين وإلا فالسقوط في الجحيم، أو يغريهم باتباع قيادات دينية تضلّهم وتقودهم إلى السعير، أو يدخلهم في صراعات وربما حروب تزهق فيها الأرواح وتهتك فيها الأعراض وتخرَّب الديار باسم الدين ونصرة الدين، أو يزيِّن لهم قتل الآخرين معنوياً بالتسقيط والافتراء والتشويه والتضليل تحت عنوان نصرة الحق وأهله وهكذا.
          أما [عن شمائلهم] فالشمال عكس اليمين فيراد به تزيين المعاصي وتهييج الشهوات لدفعهم إلى ارتكاب الفحشاء أو المنكر واتباع الأهواء.
          وبهذا الشكل من التصرّف في عواطف الإنسان وميوله وأهوائه وآماله وإثارة نزواته الشهوية والغضبية للتأثير على تفكيره وقراره وإلقاء الأوهام الباطلة عليه ومن ثم توجيه إرادته نحو الأفعال القبيحة وليس له سلطة أكثر من هذا [وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي] (إبراهيم:22)، وهكذا يصوّر لنا القرآن الكريم إحاطة الشيطان بابن آدم وغلقه لمنافذ الوعي والبصيرة وإيقاعه في الغفلة وحرصه على غوايته ويخبر الإنسان بذلك ليكون حذراً على الدوام وملتفتاً وواعياً.
          وبهذا التفسير أورد الطبرسي رواية في مجمع البيان عن الإمام الباقر (عليه السلام) ((في معنى الآية [من بين أيديهم] أهوّن عليهم أمر الآخرة [ومن خلفهم] أأمرهم بجمع الأموال ومنعها عن الحقوق لتبقى لورثتهم [وعن أيمانهم] أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة [وعن شمائلهم] بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على عقولهم))([3]).
          وفي تفسير علي بن إبراهيم في معنى الآية ((أما [بين أيديهم] فهو من قبل الآخرة، لأُخْبِرَنَّهم أنه لا جنة ولا نار ولا نشور، وأما [خلفهم] يقول: من قبل دنياهم آمرهم بجمع الأموال وآمرهم أن لا يصلوا في أموالهم رحماً، ولا يعطوا منه حقاً، وآمرهم أن يقللوا على ذرياتهم وأخوفهم عليهم الضيعة، وأما [عن أيمانهم] يقول: من قبل دينهم، فإن كانوا على ضلالة زينتها لهم، وإن كانوا على هدى جهدت عليهم حتى أخرجهم منه، وأما [عن شمائلهم] يقول: من قبل اللذات والشهوات، يقول الله [وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ]))([4]).
          ثم يذكر النتيجة التي يريد إيصال بني آدم إليها ويتوقعها [ولا تجد أكثرهم شاكرين] بل كافرين بها أو مقصرين في أداء حقوقها، وقال: [أكثرهم] ولم يقل: [جميعهم] لأنه يعلم أنه لا قدرة له على المخلصين الذين عرفوا نعمة الله تعالى وفرّغوا أنفسهم لشكرها فلا نصيب لغير الله تعالى عندهم [قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ] (ص:82-83) [قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً] (الإسراء : 62).
          وبالجمع بين الآيات الدالة على أن كمال نعمة الدين وتمامها بولاية أهل البيت (عليهم السلام) [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً] (المائدة:3) وما ورد في تفسير قوله تعالى: [وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ] (الضحى:11) وما دلّ على أن الشكر المتبقي هو بالثبات على اتباع أهل البيت (عليهم السلام) وعدم الانقلاب عليهم كالذي حصل بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين وصف عدم الانقلاب بالشكر [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ] (آل عمران : 144)نستنتج أن أرقى مصاديق الصراط المستقيم هم المعصومون من أهل بيت النبي الدالون على الصراط المستقيم والحافظون له والذابون عنه، وقد دلّت على هذا المعنى روايات عديدة في كتب الفريين كالمروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (آل محمد الصراط الذي دلّ الله عليه) وقول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (أنت الطريق الواضح والصراط المستقيم) و (لا يجوز أحد الصراط إلا بولاء علي)([5]).
          لذا كان أشد ما يحرص عليه اللعين هو إبعاد الناس عن أهل البيت (عليهم السلام) واتباع منهجهم والأخذ بتعاليمهم، ففي الكافي والمحاسن للبرقي بسند صحيح عن زرارة قال: (قلتُ لأبي جعفر عليه السلام: قوله تعالى: [لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] فقال أبو جعفر عليه السلام: يا زرارة، إنما صمد لك ولأصحابك فأما الآخرون فقد فرغ منهم)([6]) واللعين يكون أشد الخلق فرحاً حينما يقصى قانون أهل البيت (عليهم السلام) عن الحياة وتهمل أحكامهم وتنبذ أخلاقهم وسيرتهم.
          ولإبليس أعوان من شياطين الجن يقومون بنفس دوره ويساعدونه على تنفيذ ما يريد [إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ] (الأعراف:27) [أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ب] (الكهف:50).
          ولكن اللعين لا يكتفي بالغواية عن طريق التزيين النفسي الباطني لأنه يعلم أن الحسّيات أكثر تأثيراً على الإنسان فيحوّل بعض الناس إلى شياطين من الأنس بأدائهم نفس وظيفته فيتربصون بالناس ليقطعوا عليهم طريق الهداية والصلاح بشتى الوسائل الماكرة والمخادعة فبعضهم عن طريق الجنس وإثارة الشهوات وما أكثر القنوات ومواقع التواصل والصحف والمجلات التي تعمل بهذا الاتجاه، وبعض آخر عن طريق إثارة العصبيات الجاهلية والخلافات، وبعض عن طريق الفكر والثقافة الإلحادية المنحرفة، وبعض عن طريق الظلم والتسلط والقهر.. ، والقائمة تطول، فهؤلاء كلهم قطّاع طرق الخير والسعادة والفلاح، وكلهم أدوات بيد إبليس ينفّذ بهم مآربه، ومن خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (اتخذهم إبليس مطايا ضلال، وجنداً يصول بهم على الناس، وتراجمة ينطق على ألسنتهم، استراقاً لعقولكم، ودخولاً في عيونكم، ونفثاً في أسماعكم، فجعلكم مرمى نبله، وموطئ قدمه، ومأخذ يده)([7]).
          وقال (عليه السلام): (اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً، واتخذهم له أشراكاً، فباض وفرّخ في صدورهم، ودبّ ودرج في جحورهم، فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزلل، وزيّن لهم الخطل، فعل من شركه الشيطان في سلطانه، ونطق بالباطل على لسانه)([8]).
          ومن تطبيقات ذلك قوله (عليه السلام) في معاوية في كتاب أرسله إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أن معاوية قد كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه (فاحذره فإنما هو الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستنبت غرته)([9]).
          ولعل أخفى قطّاع الطرق من يتحدثون باسم الدين ويتزيون بلباس أهل الدين ويحملون علوم الدين وهم يطلبون الدنيا الدنية بذلك روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: (شرار علماء أمتنا المضلّون عنا، القاطعون للطرق إلينا)([10]) وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: (أوحى الله تعالى إلى داوود عليه السلام: قل لعبادي: لا يجعلوا بيني وبينهم عالماً مفتوناً بالدنيا، فيصدّهم عن ذكري وعن طريق محبتي ومناجاتي، أولئك قطاع الطريق من عبادي، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبتي ومناجاتي من قلوبهم)([11]).
          ومن ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (قصم ظهري عالم متهتك وجاهل متنسّك، فالجاهل يغشّ الناس بتنسّكه، والعالم ينفّرهم بتهتكه) وفي تكملة حديث مثله (فاتقوا الفاسق من العلماء والجاهل من المتعبدين، أولئك فتنة كل مفتون)([12]).

الخطبة الثانية : 
بسمه تعالى
[إِنَّ هَؤُلاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً] (الإنسان:27)
الخارجون عن طاعة قادة الإسلام نموذجاً([13])
          شهد التشيع انشقاق فرق عديدة في زمان الأئمة (عليهم السلام) وما بعده، ومنهم (الواقفة) الذين لم يذعنوا لإمامة الرضا (عليه السلام) ووقفوا على الإمام الكاظم (عليه السلام) وادعوا أن الإمام الكاظم (عليه السلام) لم يمت ولم يُقتل وأنه حي لإلغاء إمامة الرضا (عليه السلام) وافتروا أن الإمام الرضا (عليه السلام) يعلم ذلك إلا أنه يخفيه تقية، ورد الإمام (عليه السلام) عليهم بقوله: (فإني لا أتقيكم في أن أقول أني إمام فكيف أتقيكم في أن أدعي أنه حيّ لو كان حياً)، وقاد هذا الانشقاق رموز معروفة من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) والدافع المعروف في الروايات هو للاستيلاء على الأموال الضخمة التي أودعها الإمام الكاظم (عليه السلام) عندهم، قال الشيخ الطوسي عن الواقفة ((فروى الثقات أن أول من أظهر هذا الاعتقاد علي بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى، طمعوا في الدنيا ومالوا إلى حطامها واستمالوا قوماً فبذلوا لهم شيئاً مما اختانوه من الأموال))([14]).
          وروى الكليني بسنده عن يونس بن عبد الرحمن قال (مات أبو إبراهيم (عليه السلام) وليس من قوّامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم، وجحدهم موته، طمعاً في الأموال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار –الدينار مثقال شرعي من الذهب- وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار)).
          وقد تحدثت في كلمة سابقة عن كيفية مواجهة الإمام (عليه السلام) لهذا الانشقاق([15]) الذي آلم قلب الإمام الرضا (عليه السلام)، واستمرت تداعياته إلى زمن الأئمة اللاحقين (عليهم السلام) واغترّ بهذه العقيدة جملة من كبار حملة الحديث.
          وهذا السبب المعروف في كتب الأصحاب يمكن أن يكون دافعاً للبعض وليس للجميع خصوصاً الرموز الكبار وإنما كانت خيانتهم للمال من باب تحصيل الحاصل، والذي فهمته من بعض الروايات أن سبب انشقاقهم شيء آخر لم يؤشَّر بوضوح في كتب الرجال حاصله أن هؤلاء المؤسسين اختطوا لأنفسهم منهجاً فكرياً وعقائدياً اشتهروا به وأصبحوا رموزاً في الوسط الشيعي من خلاله ولم يوافقهم الإمام الرضا (عليه السلام) عليه فاستكبرت أنفسهم عن طاعة الإمام والتخلي عن هذا المنهج ورأوا أن المحافظة على رمزيتهم والجاه الذي حصّلوه من خلال هذا المنهج لا  يتحقق إلا بإنكار إمامة الرضا (عليه السلام) فابتدعوا عقيدة (الواقفة).
          والرواية طويلة رواها في قرب الإسناد وأوردها المجلسي في البحار ومحل الشاهد من الرواية قوله (عليه السلام) (أما ابن السراج فإنما دعاه إلى مخالفتنا والخروج من أمرنا أنه عدا على مال لأبي الحسن عليه السلام عظيم، فاقتطعه في حياة أبي الحسن وكابرني عليه وأبى أن يدفعه، والناس كلهم مسلمون مجتمعون على تسليمهم الأشياء كلها إلي فلما حدث ما حدث من هلاك أبي الحسن عليه السلام اغتنم فراق علي بن أبي حمزة وأصحابه إياي وتعلل، ولعمري ما به من علة إلا اقتطاعه المال وذهابه به.
          وأما ابن أبي حمزة فإنه رجل تأوّل تأويلاً لم يحسنه ولم يؤت علمه، فألقاه إلى الناس فلجّ فيه، وكره إكذاب نفسه في إبطال قوله بأحاديث تأولها، ولم يحسن تأويلها ولم يؤت علمها، ورأى أنه إذا لم يصدق آبائي بذلك لم يدر لعل ما خبر عنه مثل السفياني وغيره أنه كان لا يكون منه شيء، وقال لهم: ليس يسقط قول آبائه بشيء ولعمري ما يسقط قول آبائي شيء ولكن قصر علمه عن غايات ذلك وحقائقه، فصار فتنة له وشبهة عليه، وفر من أمر فوقع فيه)([16]).
          توضيح الحديث: أن علي بن أبي حمزة تأوّل الأحاديث الواردة في أن موسى بن جعفر (عليه السلام) هو القائم بأنه المهدي الموعود فكذّب خبر استشهاد الإمام (عليه السلام) لكيلا يكذّب نفسه فيما تبنّى من فكرة ويلزم منه كذبه فيما نقل من أخبار السفياني ونحوه عن الأئمة (عليهم السلام) فتسقط أخباره عن الاعتبار وفي الحقيقة فإن أخبار الأئمة (عليهم السلام) صادقة لكنه أخطأ في فهمها حيث قال (عليه السلام): (كلنا قائمون بأمر الله) وليس بالمعنى الذي ذهب إليه.
          وقوله (عليه السلام): (وفرّ من أمر فوقع فيه) إشارة إلى أن إصراره هذا لزم منه تكذيب أحاديث كثيرة أخرى تنفي كون الإمام الكاظم (عليه السلام) هو القائم المهدي.
          ويظهر من الرواية أن الإمام (عليه السلام) صبر طويلاً عليهم وأمهلهم زمناً لعلهم يثوبون إلى رشدهم فلم يصدر منه بيان مفصّل لحقيقتهم وعاقبتهم، قال (عليه السلام) (ولولا ما قال أبو جعفر (عليه السلام) حين يقول لا تعجلوا على شيعتنا إن تزل قدم تثبت أخرى وقال مَن لك بأخيك كله: لكان مني من القول في ابن أبي حمزة وابن السرّاج وأصحاب ابن أبي حمزة).
          ولما تمادوا في غيّهم وتمرّدهم صرّح الإمام الرضا (عليه السلام) بموقفه فقال في ابن أبي حمزة (أليس هو الذي يروي أن رأس المهدي يُهدى إلى عيسى بن موسى؟ وهو صاحب السفياني! وقال إن أبا إبراهيم يعود إلى ثمانية أشهر؟! فما استبان لكم كذبه؟)([17]).
          وروى يونس بن عبد الرحمن -وهو من أجلاء أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) وعرض عليه الجماعة عشرة آلاف دينار ليكسبوه إلى صفّهم فرفض –قال: (دخلت على الرضا (عليه السلام) فقال لي: مات علي بن أبي حمزة؟ قلت: نعم، قال: قد دخل النار! قال: ففزعت من ذلك –مما يدل على منزلته لدى الشيعة- قال: أما أنه سُئل عن الإمام بعد موسى أبي، فقال: لا أعرف إماماً بعده، فقيل: لا، فضُرب ضربة اشتعل قبره ناراً).
          وقال (عليه السلام): (إنه لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) جهد الناس في إطفاء نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره بأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما توفي أبو الحسن (عليه السلام) –موسى بن جعفر (عليهما السلام) – جهد علي بن أبي حمزة في إطفاء نور الله، فأبى الله إلا أن يتم نوره).
          هذه واحدة من المشاكل التي تواجه قادة الإسلام على مرّ العصور سواء في زمان المعصومين (عليهم السلام) أو نوابهم بالحق، أذكرُ مثالاً قريباً من مرجعية السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره) فقد كان مهتماً بالتربية الأخلاقية والسلوك الصالح فظهرت فئة تدعي المعرفة والسلوك وهم في الحقيقة طلاب زعامة ورئاسة فشلوا في نيلها بالطرق الطبيعية أي العلم والعمل الصالح فلجأوا إلى هذه الدعاوى وحققوا مكاسب فيها، وأصبحوا واجهات وادعوا أن لهم ارتباطاً خاصاً بالسيد الشهيد (قدس سره) فما كان منه إلا أن يتبرأ منهم علناً وبشكل صريح على منبر الجمعة، لكن البعض أبى أن يذعن ويتوب فانشقوا عن السيد الشهيد (قدس سره) وأصرّوا على المضي في منهجهم.
          ويحكى أن السيد البروجردي (قدس سره) –وكان المرجع العام للشيعة في زمانه توفي عام 1960- منع من التطبير واعتبره ممارسة مبتدعة أدخلت في الشعائر الحسينية، فصارحه جماعة من رؤساء مواكب التطبير إننا نقلدك السنة كلها إلا يوم عاشوراء.
          أما تجربتي الخاصة ففيها الكثير من الشواهد لهؤلاء لأسباب شتى وفي مواقف عديدة ربما سيكتب عنها من عرفها وعايشها، والمهم أن يكون عندنا من الورع والتقوى ما يحجزنا عن معصية الله تعالى من أجل لذة عاجلة بمال أو جاه أو كثرة أتباع أو شهرة أو نحو ذلك من الأمور التي تزول لذّتها المنكّدة ببلاءات الدنيا وتبقى تبعتها وسوء عاقبتها دائماً سرمداً قال تعالى مشفقاً على هؤلاء المخدوعين ومحذراً: [إِنَّ هَؤُلاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً] (الإنسان : 27) ثقيلاً في طول مدته ودوام مقامه وشدة عذابه فهم يُعرضون عن تذكّر هذا ويخلفونه وراءهم ولا يجعلونه نصب أعينهم استعجالاً للذة وقتية زائلة، وهذا طبع الإنسان الذي يغفل عن ذكر الله تعالى [كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ] (القيامة : 20-21).
 
عدد المشـاهدات 2083   تاريخ الإضافـة 12/09/2016 - 20:08   آخـر تحديـث 09/12/2019 - 01:51   رقم المحتـوى 110
إضافـة تعليق
الاســم *
العنـوان *
النـص
ملاحظـات : * تعني حقل مطلوب إدخاله
محتـويات مشـابهة